انوار الصدر الثالث
بسمه تعالى ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمآ )
أفتتح الدخول الى المنتدى بالصلاة على محمد وآل محمد
اللهم صلي على محمد وآل محمد وعجل فرجهم وألعن عدوهم

انوار الصدر الثالث

منتدى يختص بكل ماهو نافع ومفيد بشأن إصدارات وإطروحات السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر ( قدس ) والسيد القائد مقتدى الصدر أعزه الله
 
الرئيسيةالبوابةبحـثس .و .جمكتبة الصوراليوميةالتسجيلدخول
بسم الله الرحمن الرحيم .. أخواني وأخواتي الزوار الكرام  .. هذا المنتدى المتواضع { أنوار الصدر الثالث }  أنشيء لخدمتكم فساهموا بالتسجيل فيه ورفده بكل المساهمات ذات الفائدة خدمة للصالح العام تقبلوا خالص تقديري وإعتزازي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

شاطر | 
 

 تفسير اية التطهير ( السيد الشهيد الصدر (فدس سره))

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
صفاء الاسدي
الأعضاء المتميزين
الأعضاء المتميزين
avatar

الأوسمه :

الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 28
الموقع الموقع : أنوار الصدر الثالث
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : عضو فعال

مُساهمةموضوع: تفسير اية التطهير ( السيد الشهيد الصدر (فدس سره))   2011-06-23, 8:44 pm

بسم الله الرحمن الرحيم
((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً))
الأحزاب33
أريد إن أبين هنا بمقدار ما يناسب شيئا من تفسير هذه الآية .
وأول شيء أبدا به هو معنى البيت ؛ في قوله تعالى : {أهل البيت } فهو معنى إضافي حذف طرفه في الآية الكريمة ؛ فهو لم يقل أهل بيت من ؟ فان فيها أطروحتان :
الأطروحة الأولى : أنهم أهل بيت النبي (ص) وهي الأطروحة المشهورة .
الأطروحة الثانية : أنهم أهل بيت الله سبحانه .
وإنا أريد الآن إن أقيم القرائن على نفي الأطروحة الأولى وتعين الثانية ؛ وذلك ضمن خطوات .
الخطوة الأولى : إن نعطي المعنى اللغوي للبيت فالبيت هو ما نسميه باللغة الحديثة الغرفة أو الحجرة . ويسمون الخيمة بيتا ؛ وإما المجموع من البيوت فتسمى دارا ؛ لان الحائط يدور على سائر البيوت .
ويظهر إن النبي (ص) في داره عدة بيوت (غرف) بعدد أزواجه ؛ وكان يأوي في كل ليلة إلى واحدة منهن .
الخطوة الثانية : انه لم يثبت إطلاقا إن للنبي (ص) بيتا خاصا به .
إذن ؛ فما هو الذي يصدق عليه انه بيت رسول الله (ص) ؟ فان ما يسمى بيت رسول الله (ص) فيه عدة احتمالات ؛ وكلها غير صحيحة :
الاحتمال الأول : الدار مجموعا ؛ وهي لا تسمى بيتا بضرورة اللغة .
الاحتمال الثاني : غرفة خاصة به ؛ ولم يثبت إن له غرفة خاصة به ؛ ولو ثبت ذلك لما شاركه فيها احد .
الاحتمال الثالث : بيوت زوجاته . وهي إنما بيوتهن ؛ وليست خاصة به .
فان قلت : فان لفظ ( أهل البيت ) يراد به تمثيل وجود رسول الله (ص) كالخيمة على أهله ؛ وهو تمثيل عرفي ؛ فمن يكون تحت هذه الخيمة فهو من أهل البيت .
قلنا : إن هذا قابل للمناقشة من وجهين :
الوجه الأول : إن هذا معنى مجازي ؛ والحمل على المعنى الحقيقي أولى ؛ ولا يوجد عندنا معنى حقيقي لبيت رسول الله (ص) .
الوجه الثاني : إن خيمته المعنوية غير خاصة بالمعصومين (ع) ؛ بل شاملة لسائر المسلمين والمؤمنين .
فان قلت : فان نسبة البيت إلى الله سبحانه أيضاً مجازية وليست حقيقية .
قلنا : نعم ؛ لاستحالة وجود البيت بالمعنى المادي لله سبحانه وتعالى ؛ فيتعين إن يكون بيته معنويا .
فان قلت : إن بيت رسول الله (ص) المعنوي إذا كان شاملاً لجميع المسلمين ؛ فان بيت الله المعنوي شاملاً لكل الخلق ؛ وليس خاصاً بأحد .
قلنا : نعم ؛ إلا انه يختلف باختلاف المستويات والدرجات ؛ ونستطيع إن نجعل لكل مجموعة بيتا خاصاً بهم ؛ فاخص الخلق أجمعين هم الأحق بالبيت الخاص بهم ؛ وهم الخمسة أهل الكساء .
قد يقال : إننا أن تحدثنا عن النبي (ص) خلال فترة حياته المتأخرة بعد وفاة خديجة (ع) فهذا الذي قلناه صحيح حيث كان في داره عدة بيوت ؛ ويسكن في كل بيت واحدة من أزواجه . إما إذا تحدثنا عنه في عصر وجود خديجة معه فالحال يختلف ؛ حيث انه من الأكيد ؛ ومن ضروريات التاريخ ؛ انه لم يتزوج غيرها إلى إن توفيت ؛ ومعه فقد يكون له بيت مستقل ؛ فيصدق عليه انه بيت رسول الله (ص) .
جوابه : إننا نسأل إن الآية الكريمة ؛ هل أنها نزلت في حياة خديجة (ع) أم بعد وفاتها ؟
وحسب فهمي إن خديجة (ع) ماتت ؛ ثم تزوج النبي (ص) المتعددات ؛ ثم ولد الحسن والحسين (ع) ثم نزلت الآية الكريمة وهذا ينبغي إن يكون واضحاً .
كما انه ينبغي الالتفات إلى إن دار رسول الله (ص) كانت في حركة دائمة ؛ منذ وفات خديجة (ع) ؛ إلى حين وفاته (ص) من حيث الزواج ؛ فلربما كانت تضيق على عدد زوجاته ؛ ويكفي إن نلتفت انه (ص) توفي عن تسع حرائر بالعقد الدائم ؛ أي عن تسع زوجات ؛ فهل كان في داره تسع غرف ؟ كلا طبعاً. وربما يسكن عدة زوجات في غرفة واحدة والمهم انه – مع هذا الحال – لا يمكن إن تكون له غرفة مستقلة .
كما ينبغي الالتفات انه على فرض وجود بيت مستقل له ؛ فهو خاص به لا يسكنه احد غيره . ولا اقل إن يكون نسبة غيره إليه مجازية جزما كائنا من كان ؛ حتى علي وفاطمة (ع) . فنحن إمام مجاز بكل تأكيد ؛ أي بكل محتملات الفهم في الآية . ولا اقل إن يدور الأمر بين اعتبارهم أهل بيت النبي (ص) لحبه لهم ؛ أو أهل بيت الله تعالى لحبه لهم ؛ ودرجاتهم العالية عنده . والثاني أولى ؛ لان النسبة إلى الله تعالى دائما هي الأولى .
فان قلت : انه قد تسمى الدار بيتا مجازا .


قلنا : إن المجاز يحتاج إلى قرينة وهي غير موجودة ؛ واعتقد إن هذا المعنى كان مستنكرا لغة .
فان قلت : إننا نستصحب ذلك استصحابا قهقريا إلى زمان رسول الله (ص) ؛ أي إننا الآن نسمي الدار بيتا ؛ ونشك انه كان كذلك فيما مضى ؛ فنستصحبه استصحابا قهقريا ؛ ونقول انه كذلك في صدر الإسلام ؛ أو في زمن نزول الآية الكريمة .
قلنا : إننا لا نريد إن ندخل في مناقشة الاستصحاب القهقري . وإنما كل ما في الأمر إن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب أصلي معاكس ؛ لان الناس قبل الإسلام كانوا يطلقون لفظ الدار على مجموعة الغرف ؛ ولفظ البيت على الغرفة الواحدة ؛ فهل انتفى ذلك في عصر النبي (ص) أم لا ؟ فنقول انه بقى على هذا الاستعمال ؛ إلى إن نحرز خلافه في العصور المتأخرة عن النبي (ص) ؛حيث اخذ الناس يخطاون ويسمون الدار بيتا .
حينئذ ينتج من ذلك نتيجتان :
النتيجة الأولى : إن أزواج النبي (ص) ليس فيهن واحدة داخلة في مفهوم أهل البيت ؛ وان كن ساكنات معه في داره ؛وذلك لعدة تقريبات ظهرت مما سبق .
منها : إننا لو قبلنا إن له بيت خاص به فليس أحداهن تسكنه .
ومنها : إن كل واحدة من زوجاته هي أهل بيتها ؛ وليس بيتها بيت النبي (ص) .
ومنها : إننا بعد إن قربنا إن المراد بالبيت بيت الله تعالى ؛ فهل هن أهل لهذه النسبة ؟ فمن كانت أهلا لذلك نسبناها ؛ ومن كانت ليست أهلا رفضناها كائنة من كانت .
فانه لم يدع احد عصمتهن ؛ ولم يدع احد عدم صدور الذنوب منهن ؛ فضلا عن صدور ذنوب كبيرة من بعضهن ؛ فهل تكون من قد حاربت إمام زمانها أهلا لان تنسب إلى المقام الأعلى القريب من الله تعالى حتى لو تابت ؛ فلذا قال تعالى : { لا ينال عهدي الظالمين }. أي إن من أذنب في حياته ولو بذنب واحد فانه لا يصلح إن يكون أهلا للإمامة ؛ لان ذلك الذنب يؤثر فيه أثرا يبقى معه طيلة حياته حتى لو تاب . فان عبادة الأصنام أو شرب الخمر أو الزنا ؛ تجعل إمامة من قام بها متعذرة .
النتيجة الثانية : إن {أهل البيت } معنى خاص بأصحاب الكساء الخمسة ؛ لأنهم خير الخلق على الإطلاق ؛ ولا يشمل غيرهم بما فيهم التسعة المعصومون من أولاد الحسين (ع) ؛ وبما فيهم الأنبياء والأولياء السابقون .
مضافا إلى انه توجد الكثير من الروايات الواردة عن النبي (ص) انه يقول : { انها نزلت في وفي علي وفاطمة والحسن والحسين }.وإنما قال ذلك لكي لا يخطر في ذهن احد كائنا من كان انه منهم .
إن قلت : انه لا يوجد فيها مفهوم مخالفة ؛ فانه حينما قال : { أنها نزلت في وفي علي وفاطمة والحسن والحسين } . لم ينف الزائد .
قلنا : إن لسان الحال ياكد على أنها نزلت في هؤلاء فقط ؛ ويقرب ذلك أمران :

الأمر الأول : إن غيرهم أوضح في عدم الانطباق ؛ وذلك لعدم معاصرتهم لرسول الله (ص).

الأمر الثاني : إن ظاهر الآية هو انطباقها على مصاديق متحققة فعلا ؛ وليس على مصاديق سوف تأتي .
فان قلت : إذا كان المراد بالبيت بيت الله تعالى وليس بيت رسول الله (ص) ؛ فان بيت الله شامل للأزمنة الثلاثة أي الماضي والحاضر والمستقبل ؛ ولا دخل لولادة التسعة المعصومين (ع) . فان لم يكونوا أهل بيت رسول الله (ص) ؛ فهم أهل بيت الله .

قلنا : إننا لابد وان نلتفت إلى الفرق بالقرب الإلهي ؛ بين هؤلاء الخمسة ؛ وهؤلاء التسعة .
فان الفرق موجود ؛ ودلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة .
إذن ؛ فإذا كان أهل الكساء (ع) أعلى مراتبه من التسعة المعصومين (ع) ؛ فان بيتهم خاص بهم ؛ ولا يتعدى إليه غيرهم .
فان قلت : إن المعصومين التسعة (ع) إذا خرجوا عن موضوع الآية ؛ فقد خرجوا عن محمولها أيضا . لأنها تقول : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا }.فالموضوع هو أهل البيت ؛ والمحمول هو التطهير ؛ فأي واحد قد دخل في الموضوع ؛ فهو داخل في المحمول ؛ أي إذا كان من أهل البيت فهو مطهر وإذا لم يكن منهم فهو ليس بمطهر.
فإذا زعمنا إن التسعة المعصومين (ع) ليسوا من أهل البيت ؛إذن ؛ فهم لا يدخلون في الوعد بالتطهير ؛ فحيث أنهم خارجون موضوعاً ؛ فسوف يكونون خارجين محمولاً .
وهذه النتيجة باطلة أكيدا لأنهم مطهرون أيضا ؛ وشمولهم محمولا من دون إن يكونوا مشمولين موضوعا غير معقول،فماداموا مشمولين محمولا فهم مشمولون موضوعا،إذن نعرف أنهم مندرجون في ضمن أهل البيت.
جوابه:إننا لو اقتصرنا على ظهور الآية فقط ،إذن فأهل البيت هم أهل الكساء (ع) ، وهم المطهرون فقط . ولكننا يمكن إن نقيم أدلة خارجية على عصمة التسعة (ع)، وعلى إمامتهم ، وعلى ولايتهم العامة وعلى وجوب طاعتهم . ومن هنا يتعذر الاستدلال بالآية على عصمتهم ،بل نستدل بعصمتهم على كونهم مشمولين للآية ،وبعد شمولهم بالآية وتطهير يمكن إن نقول أنهم من أهل البيت على مقدار مستواهم من الوجود .
إن قلت :إننا بعد إن قربنا إن المراد (بيت الله)،فبيت الله معنى عرفي ومتشرعي ومفهوم
يطلق على المسجد الحرام عامة وعلى الكعبة الشريفة خاصة ،والإلف وإلام اظهر بالعهدية ،فهي عهد إليه .وخاصة بعد إن نلتفت إلى إن البيت المعنوي مجازي ،وهذا المعنى حقيقي ومتسالم على فهمه.
جوابه من أكثر من وجه واحد:
الوجه الأول :إن الأهلية لها سببان ،إما إن للإنسان يد عليه ،وإما إن يكون ساكنا فيه ،والكعبة لم يسكنها احد أكيدا،ولم تكن لأحد يد عليها فهم ليسوا أهل الكعبة بهذا المعنى .
الوجه الثاني :إننا إذا تنزلنا عن ذلك ،وقلنا : بان معنى الأهلية هنا هو الولاية العامة ، فأولياؤها هم المشرفون عليها شرعا .ولكن هذا المعنى مجازي فلماذا لم يقل (أولياءه ).
فالأولياء يراد بهم معنى ، والأهل يراد بهم معنى أخر . فإذا قارنا بين المعنيين ،فلابد إن نختار أهل بيت الله المعنوي وليس البيت المادي ،لأنهم ساكنون سكنى معنوية بأنوارهم العليا ،وأرواحهم المقدسة ،في ذلك المكان العالي وليسوا ساكنين بالكعبة ،لا بأجسادهم ولا بأرواحهم .
ويمكن الجمع بين الفكرتين بعد الالتفات إلى فكرة أخرى قد سجلتها في بعض مؤلفاتي{في ما وراء الفقه كتاب الحج } ،وحاصلها بان الكعبة وجود تجريدي رمزي عن التوحيد، فان المعنى المعنوي والتجريدي يحتاج إلى رمز مادي ليكون قريب المنال من العقول القاصرة والمقصرة ،والمادية الدنيوية ،فالكعبة مثال للتوحيد .حينئذ نقول إن المفهومين قد اقترنا ،أي البيت المعنوي لله والبيت المادي له ، فهذا رمز وذاك مرموز إليه ،وكما إن هذا البيت رمز لذلك ، هو رمز عن ساكني ذلك البيت ، وبتعبير آخر كما إن الكعبة رمز عن التوحيد ،هي رمز عن الموحدين أيضاً .
فان قلت :انه قد ورد متواترا قول النبي (ص):{سلمان منا أهل البيت }.ثم نضم إلى ذلك مقدمة أخرى ، وهي إن التسعة المعصومين (ع) أفضل من سلمان الفارسي ،ثم نضم إلى ذلك مقدمة ثالثة ،وهي إن ما عند الأدنى عند الأعلى مع زيادة .فان كان سلمان (رض)من أهل البيت ،فان التسعة المعصومين (ع)منهم من باب الأولوية .مع العلم إن ظاهر الكلام السابق أنهم ليسوا من أهل البيت ،وان هذا العنوان خاص بأصحاب الكساء الخمسة(ع).
قلنا :إن هذا يمكن الإجابة عليه من عدة وجوه :
الوجه الأول :إننا نفهم إن سلمان من أهل البيت (ع)من السنة ،لا إننا نفهمه من الكتاب ،إلا في صورة واحدة و هي إننا نجد إن الرواية شارحة ومفسرة للآية الكريمة .وإذا لم تكن مفسرة للآية ،فإننا نفهم إن سلمان من أهل البيت بإخبار الرواية بذلك كما قلنا .
فان أصحاب الكساء قد دل عليهم الكتاب أنهم من أهل البيت ،وإما الباقون بما فيهم التسعة المعصومين وسلمان،ولربما آخرين .فقد دلت عليهم السنة أنهم كذلك .
الوجه الثاني :انه يمكن إن نقول كما قلنا :إن نفس هذا العنوان إذا فهمناه بمعنى أوسع ،فسوف تكون له حصص ودرجات عديدة ،أو إننا نقول فيه بالتشكيك باصطلاح المنطق وعلم الأصول .
حينئذ ماذا نفهم من {أهل البيت }في الآية ؟ هل نفهم مطلق الأهل أم الأهل المطلق ؟ فمطلق الأهل أي جميع حصص ودرجات {أهل البيت } ،والأهل المطلق ،أي الحصة الأرقى ،والدرجة العالية من هذا العنوان .
فإذا فهمنا من ذلك مطلق الأهل ، فانه يشمل الجميع ،بما فيهم أصحاب العصمة الثانوية من الأولياء ،ويكون مقتضى الإطلاق ذلك .لكنهم قالوا في علم الأصول : بان الإطلاق ينصرف إلى أكمل الإفراد ، ومن جملة تطبيقات ذلك ،إن أكمل الإفراد لظهور صيغة الأمر هو الوجوب ،فمقتضى إطلاق صيغة الأمر الوجوب .
حينئذ نقول :إن أكمل الإفراد في {أهل البيت }هم أعلى تطبيقات وحصص وإشكال أهل البيت (ع) ، وأعلى الحصص ليس أكثر من خمسة ، لأنهم خير الخلق على الإطلاق ،ثم التسعة المعصومون (ع)بدرجة أدنى من أهل الكساء ،ثم سلمان (رض )بدرجة أدنى من التسعة المعصومين (ع) ،وهكذا .
مضافا إلى إن دليل أهل الكساء هو القرآن ،وهو أعلى درجة من دليل الباقين الذي هو السنة .
فان قلت :إن عددا من الروايات قد وردت ،تنص على اقتران نزول الآية ،بحادثة الكساء ،وهي كثرة ومستفيضة، ومتواترة ،وفيها يقول النبي (ص) :اللهم هؤلاء أهل بيتي ، وخاصتي ،فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ،وكذلك ورد في بعض الزيارات : {يا أهل بيت النبوة }إذن فكيف نقول :إن المراد هو بيت الله ؟
جوابه من أكثر من وجه:
الوجه الأول :انه لا منافاة بين الأمرين ،فهم أهل بيت الله وأهل بيت النبي (ص)،لأنه لا منافاة بين الله وبين نبيه (ص) .
الوجه الثاني :انه من باب {كلم الناس على قدر عقولهم }فلو قال :أهل بيت الله ،فهل يفهم احد كلامه ؟
الوجه الثالث :انه حينما يقول أهل بيتي ،فليس لكلامه مفهوم مخالفة ،أي انه لا ينفي غيره الذي هو أهل بيت الله.
وفي بعض تلك الروايات عن أبي سعيد الخدري ،قال :قال رسول الله (ص):{نزلت هذه الآية في خمسة : في وفي علي وفاطمة والحسن والحسين ،إنما يريد الله }الحديث ،وهذا يخرج أي واحد من الآخرين ،بما فيهم زوجات النبي (ص) وبما فيهم التسعة المعصومين (ع) المتأخرين من أولاد الحسين (ع) . وإنما نعتبرهم من أهل البيت (ع) باعتبار الدليل على إمامتهم كما سبق ؛ ولن يكونوا في نفس المنزلة ؛ لان البيت الإلهي ذو درجات ؛ كما قال الله تعالى :{ رفيع الدرجات ذو العرش }.
ولو كانت الآية شاملة للزوجات ؛ أو خاصة بهن ؛ لكن مشمولات لقوله (ص) وهو خبر متواتر من الفريقين : { إلا إني تركت فيكم الثقلين ؛ احدهما : كتاب الله ؛ من اتبعه كان على هدى ؛ ومن تركه كان على ضلالة ؛ ثم أهل بيتي ؛ أذكركم الله في أهل بيتي ثلاث مرات }. ولم يقل بشمولها للزوجات احد ،فيلزم من بطلان التالي بطلان المقدم . وإنما يذكر المجتمع بأهل بيته باعتبار علمه بظلمهم بعده ولم تظلم بعده إحدى زوجاته إطلاقا .
الخطوة الأخرى بهذا الصدد : إن الآية الكريمة لو كان مرادها أهل بيت النبي (ص) ،للزم خروج النبي (ص) نفسه عنهم . فلو قلت : أولاد ادم ، لم يشمل ادم ،ولو قلت : ال النبي ، لم يشمل النبي ، ولو قلت بني تميم لم يشمل جدهم تميم نفسه . فأهل بيت النبي (ص) غيره وليس هو منهم . وهذا غير محتمل إطلاقا ، فهو من المقدسين بهذه الدرجة ، فنفهم من بطلان التالي بطلان المقدم .إذن فلا يراد من أهل البيت في الآية أهل بيت النبي (ص) ،وإنما يراد أهل بيت الله .
فان قلت :إن أهل بيت النبي (ص) غيره ، ولكنه قد دخل معهم بالأولوية .
قلنا : كلا ،بل هو خارج تكوينا ولغة ،ومعنى ذلك إن قداسته ورفعة شانه ليست ناشئة من كونه من أهل البيت (ع) ،مع العلم انه مندرج في الآية بضرورة الدين ،وهو ولى من يندرج في الآية .
الفكرة الأخرى التي أود إن أتعرض لها : إن لفظ {أهل البيت }ورد في القران مرتين :في هذه الآية ،وفي قوله تعالى :{أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت }وذلك حينما بشرت زوجة إبراهيم (ع) بولد ،فقالت :{أألد وانأ عجوز وهذا بعلي شيخا }فأجابوها بذلك الجواب .
فإننا نقول هنا بان المراد من أهل البيت ،هم أهل الكساء ،وليس هذا المرأة .
فان قلت :إن القرينة المتصلة تقتضي إن يكون المراد من أهل البيت هم أهل بيت إبراهيم (ع) ،لان المخاطبة هي زوجته ، ولا يحتمل صرف الخطاب من المخاطب إلى أشخاص سوف يولدون بعد الإلف السنين ،والذين هم أهل الكساء .
جوابه من عدة مستويات :
المستوى الأول :إن القرينة المتصلة في الآية على نفيه وعلى خلافه ،فان من يعترض على بإشارة الملائكة ، ويتعجب من أمر الله ،وهو بوحي من الله قطعا ،هل يصلح لان يكون من أهل البيت ،وان تكون تلك المرأة هي المخاطبة بذلك الخطاب ؟حاشا لعدل الله إن يكون ذلك .
المستوى الثاني :إن نقول ولو أحتما لا ،إن عملا تخريبيا قد أنجز خلال التاريخ ،وهو وضع الآيات الخاصة بأهل الحق بين قرائن مغلوطة ،لكي تنسب إلى غير أهلها ،كما نسبوا هذه الآية إلى أهل إبراهيم ،ونسبوا تلك الآية إلى نساء النبي (ص) .وهذا ليس قولا بالتحريف الذي هو معنى النقيصة، وإنما هو قول بتغير محل بعض الآيات .
فمن المحتمل إن هذه القرينة المتصلة ليست بقرينة أصلا ،ولم تنزل وحيا هكذا. فتتوقف دعواهم على يقينية القرينة, فلا يمكن القول بذلك ،لاحتمال الفصل بالوحي بين الآيتين .والاحتمال مبطل للاستدلال .
المستوى الثالث : إنني قلت في بحث التفسير بان هناك اتجاها هو اقرب إلى الاتجاه الباطني في تفسير القران الكريم ،وهو التفسير ألتجزيئي للقران ،أي إن نأخذ كل لفظ وكأنه نزل وحده فنفهمه ،من دون استعمال القرائن المتصلة .
إذن فانتفت القرينة المتصلة ،لأننا نفهم أهل البيت كأنها نزلت وحدها .
ولكن الإشكال في حجية الفهم ألتجزيئي للقران ،فإننا ظاهرا وفقهيا لا نعتبره حجة ، فحينئذ إما إن نشهد بصحة الباطن الذي يبتني عليه هذا الوجه وإما إن نلزمهم بما التزم به كبائرهم من المتصرفة اعني بصحة الفهم ألتجزيئي .
المستوى الرابع : إننا لو تنزلنا عن ذلك ؛ أمكننا إن نفهم أطروحات أخرى غير أنهم : أهل بيت النبي (ص) أو أهل بيت الله . وإنما هم أهل بيت إبراهيم (ع) لأنه أبو المسلمين ؛ وأبو النبي (ص) . غاية الأمر إننا نحتاج هنا إلى مقدمتين :
المقدمة الأولى : إن يراد ببيت إبراهيم البيت المعنوي لا المادي .
المقدمة الثانية : إن يراد بأهله أهم من يمكن فيه ذلك ؛ وهم ليسوا سكانه السابقين كزوجته وغيرها . وإنما هم أيضا أهل الكساء ؛ إلا إن هذا غير ممكن ؛ لان أهل البيت أفضل من صاحب البيت ؛ وهذا غير محتمل . مضافا إلى البعد ألزماني بين إبراهيم ؛ وبين أصحاب الكساء .
الأطروحة الأخرى المحتملة : إن يكون أهل بيت علي (ع) بعد التنزل عن الأطروحات السابقة ؛ وهذا أيضا يحتاج إلى مقدمتين :
الأولى : ما عرفناه من انه لا يوجد لرسول الله (ص) بيت ينسب الآخرون إليه .
الثانية : قرينيه حديث الكساء ، وهو نص بان أهل الكساء هم خمسة ، كما انه نص على نزول الآية فيهم .
ومعه فنحن تاريخيا نعرف إن حادثة الكساء حدثت في بيت علي (ع) وان أربعة منهم هم أهل بيت علي (ع) نفسه ، ولا يبقى إلا النبي (ص) ، وهو أولى بانطباق الصفة عليه منهم لأنه خيرهم .
مضافا إلى إن رسول الله (ص) كان يزورهم صباحا ومساءا ، فيصدق ظاهرا وباطنا ، إن بيت علي (ع) هو بيت النبي (ص) ومعه تخرج زوجات النبي (ص) يقينا ، لأنهن غير ساكنات في بيت علي (ع) كما إننا يمكن إن ندخل التسعة المعصومين (عليهم السلام ) مجازا في الدرجة الثانية بعد أهل الكساء . وانأ اعتقد إن بيت علي (ع) بيت واحد أي غرفة واحدة يسكنون كلهم فيها ( في المدينة ) ، ويقرب ذلك طريقة زواجه سلام الله عليه ، ومقدار الزهد المدقع الذي تزوج به ، وإنما اكتسب أهميته معنويا لا ماديا .

فان قلت : فماذا نقول في قوله (ص) { سلمان منا أهل البيت }؟
قلنا : انه من أهل البيت إلحاقا وتنزيلا ، أيا كان البيت المقصود .
مقارنة بين التطهير وإذهاب الرجس
ثم إن الآية الكريمة أخذت في جانب المحمول عنوانين :
احدهما : إذهاب الرجس .
ثانيهما : التطهير المركز .
فهل هما يعودان إلى معنى واحد ، بحيث يكون ثانيهما إيضاحا لأولهما ؟ .
ويقرب ذلك ، بان الرجس نحو من القذارة ، والطهارة إزالة القذارة . فإذهاب الرجس هو التطهير ، والتطهير هو إذهاب الرجس ، فهما متلازمان متساويان ، بل احدهما عين الأخر ، فان الإذهاب هو التطهير نفسه كالمترادفين ، ويكون الثاني إيضاحا للأول .
بإزاء ذلك توجد عدة أطروحات تدل على المغايرة بينهما :
منها : اختلاف درجات الطهارة ، فالبدا يكون بالأدنى والانتهاء بالأعلى ، فالإذهاب هو الأدنى ، والتطهير هو الأعلى ، وهذا لا يتم بمجرده ، لأنه حصل لهم دفعة لا تدريجا .
ومنها : إن احدهما بمنزلة الموضوع والأخر بمنزلة المحمول . والموضوع متقدم رتبة لا زمانا فكل من يذهب عنه الرجس يطهر . وفاعلية الفاعل إما في إيجاد الموضوع أو فيهما معا .
ومنها : إن احدهما تكويني وهو إذهاب الرجس ، والأخر انتزاعي وهو التطهير ، وهو متأخر رتبة . يعني من يذهب عنه الرجس نسميه طاهرا ومطهرا .
إلا انه لا يتم ، لان فيه إقرارا إن الجهة التكوينية واحدة ، وهو إذهاب الرجس في حين إن الآية ظاهرة بالتعدد بمقتضى التعاطف .
ومنها : إن الاختلاف بينهما باختلاف المتعلق ، فان الشرور في المكلف على مستويين وكلاهما على مستوى المقتضي لا العلة التامة .
1- الشرور الوجودية : أي الشرور المركوزة في الخلقة .
2- الشرور العدمية : أي ما يترتب على الأفعال من نواقص .
فالذهاب الرجس يكون بالنسبة إلى الشرور الوجودية لكي تذهب أو تنطفئ . والتطهير أي من الشرور العدمية لكي تتبدل إلى الوجود الأفضل .
ومنها : إن الاختلاف بينهما يكون في جانب العلة والمعلول ، فإذهاب الرجس بمنزلة العلة ، والتطهير بمنزلة المعلول . فإذهاب الرجس عن جانب العلة يعني تطهير الروح من الشرور والأدناس ، والتطهير يعني تطهير الأفعال .
وأي شيء فسرناه فلابد إن نفهم منه الإذهاب المطلق للرجس ، وليس مطلق الإذهاب . وكذلك نفهم من التطهير ، التطهير المطلق وليس مطلق التطهير . لان الإذهاب المطلق والتطهير المطلق هو المناسب مع تلك المرتبة العليا التي لا يشاركهم فيها احد .
إما ألان فندخل إلى كلام لا ينبغي الإطالة فيه عن معنى الرجس .
فإننا في حدود ما مشينا عليه من سلسلة التفكير يمكن إن نفسره بأحد تفسيرين :
الأول : هو الشر المركوز أساسا في الخلقة إلى جانب الخير كما قالت الآية الكريمة :
{ وهديناه النجدين } .
الثاني : اثأر هذا الحال ونتائجه غير المحمودة من عصيان وعيوب وذنوب .
حينئذ نعرض هذين الاحتمالين على آية التطهير لنرى إذهاب الرجس على أي المعنيين يصدق ؟ فإذا كان المراد هو المعنى الأول فانه غير زائل ، بل يستحيل زواله لأنه من تبديل الخلقة ، وليس في المصلحة زواله ، لأنه يستلزم نقص الخلقة ، فالملائكة فيهم عقل بلا شهوة ، ومن هنا كانت خلقتهم اقل من خلقة البشر . فإذا كان الرجس هو هذا ، إذن فإننا نحتاج إلى تقدير مضاف ، يعني اثأر الرجس أو نتائجه ونحو ذلك ، وهو خلاف الأصل .
وإما إذا حملنا على المعنى الثاني بان يكون المراد أساسا هو النتائج ، فهي ذاهبة لا محالة فيصدق بالدلالة المطابقة ، ولا نحتاج إلى تقدير .
ويمكن إن يقرب الوجه الثاني بان الراد من الرجس ما يتنجس به الطبع الإنساني معنويا ، أو سلوكيا أو عقليا ، ونحو ذلك ، وهذا ليس إلا نتائج السوء وليس السوء الخلقي ، فانه مما لا يوجب النجاسة وإنما يوجب فقط كمال الخلقة ، فوجوده أصلا خير ، وإنما تأثيره شر ونجاسة . ولذا اتصف الكثيرون بالعصمة وبالولاية وبالقرب ولم يضر ذلك بهم ، بل هو نافع لهم لأنه سوف يكون سببا لكمالهم وارتفاعهم في درجات اليقين .
الاستدلال على العصمة بالتطهير
بقيت خطوة لابد أن نخطوها ما دمنا بصدد آية التطهير، لان الإمامية يستدلون بآية التطهير على العصمة، مع العلم إن اسم العصمة ليس موجودا فيها، فبأي أطروحة، وبأي طريقة يستدلون منها على العصمة؟.
حينئذ نحتاج إلى بعض التقريبات التي تؤدي بنا إلى نحو قناعة بهذا الكلام.
وتقريب ذلك يكون بعدة أساليب:
الأسلوب الأول: وهو دنيوي، ومن خصائصه انك تستطيع أن تتحدث به مع غير المتفقه، أو الذي لا يحمل فكرة كافية عن الإسلام، وعن أصول الدين وعن فروعه. وذلك بان يقال: إننا إذا لاحظنا الأفراد المؤمنين بأي مذهب، أو أي دين أو أي عقيدة سماوية أو أرضية مادية أو إلهية، نجد إن الفرد منهم كلما كان أكثر إيمانا بمذهبه أو دينه أو عقيدته عموما ـ كالرأسمالية أو الشيوعية أو الوجودية، فضلا عن الأديان كالمسيحية واليهودية ـ وكلما كان أكثر تحمسا لها، وعملا في سبيل تطبيق أهدافها، كان أكثر إطاعة للمتوقع منه، حتى يصل إلى درجة العصمة من وجهة نظرها، ومن جهة الواجبات والمحرمات التي يكون هو مسؤولاً عنها تجاهها .
وهذا أمر مجرب ولابد أن يؤمن به الجميع، ولذا نجد المـتعصبين إلى أي عقيدة، على استعداد أن يتحملوا القتل وسائر المصاعب في سبيلها، فكيف لا يتحمل طاعتها وتطبيق مستلزماتها وأهدافها على نفسه أو غيره، فيكون معصوما من وجهة نظرها؟.
وهذا واضح التطبيق والصغرى في محل كلامنا، فان المعصـومين ع عامة، وأهل البيت ع خاصة، هم من أعظم المتحمسين إلى إطاعة الله والملتزمين بتطبيق الدين وأهداف سيد المرسلين ص.
الأسلوب الثاني: وهو أيضاً دنيوي، وهو أن نتكلم بنفس الطريقة ولكن بأسلوب عقلائي. فكما إن الحال في العقائد هكذا، فان الأهداف الشخصية العقلائية أيضاً هكذا لكل ما يحبه الفرد ويكرس حياته من اجله، كخدمة الأبوين مثلا أو التجارة أو السياحة، أو تعلم اختصاص معين، فتراه يكرس كل وقته، ويضحي بكل مصالحه، ويلاحظ ذلك الهدف في الصغيرة والكبيرة. فيكون معصوما عن القيام بأي أمر يخالف ذلك أو يضاده، أو ترك أي عمل يكون مقربا له وفي صالحه. فإذا كان عمل العقلاء هكذا، فأولى أن يكون أئمتهم كذلك، فهم أهم المصاديق على الإطلاق.
الأسلوب الثالث: أن نلتفت إلى نقطة مشتركة بين الأسلوبين السابقين، وهي الإخلاص. فكلما كان الإخلاص اشد وأكثر فسوف يكون إنجاز التوقعات أكثر. فمع وجود الإخلاص وجدت الهمة، ومع تصاعد الهمة توجد العصمة. والصغرى أيضاً محرزة في أهل البيت ع ، وهي وجود الإخلاص العالي جدا لديهم تجاه الله تعالى وتجاه شريعته.
الأسلوب الرابع: أن ننظر من هذه الزاوية، وهي جانب أخروي أو معنوي، وذلك بان نقول: إن السبب الرئيسي للذنوب والعيوب والتجاوزات الصادرة من البشر، إنما هو النفس الأمارة بالسوء، والأمر بالسوء ناشئ من الرجس الموجود فيها. فإذا أنقمع وانقطع زالت كل آثاره ونتائجه، فإذا حصل ذلك بشكل كامل وشامل حصلت العصمة لا محالة.
فإن قلت: إن هذا أمر ليس خاصا بالمعصومين ع بالذات، بـل يشمل المعصومين بالعرض وهم الأصفياء والأولياء، والكمّل من البشر فإنهم لا يصلون إلى هذه المراتب إلا بعد انقطاع شهواتهم ونزواتهم لا محالة.
قلنا: نعم إلا إن المراتب تختلف أكيداً، ومن المسّلم والمجّمع عـليه بين المسلمين بل جميع البشر إلا من ندر: إن مرتبة هـؤلاء أعلى واجل وأفضل من جميع من اتصفوا بالعصمة. فإذا كان التطهير موجودا بمجرد زوال النفس الأمارة بالسوء فهذا معنى عام، ولكنه قابل للتركيز والتأكيد في المراتب العليا من العصمة، كما سميته في موسوعة الإمام المهدي ع : (تكامل ما بعد العصمة) ، فإذا كان الفرد في مرتبة عالية جدا من التطهير، كان معصوما بالذات. وإنما كانت عصمته واجبة لأنها بإرادة خاصة من الله سبحانه كما هو نص هذه الآية الكريمة .
الأسلوب الخامس: أن ننظر إلى درجة وجود أرواحهم وأنوارهم العليا، فوجودهم أعلى واقرب إلى الله سبحانه من الناحية التكوينية والمعنوية، لأنهم خير الخلق، وهم العلل العليا للكون بالأسلوب الهرمي، الذي ذكرناه. فإذا نظرنا إلى تلك الدرجة، نجد إن تلك المرتبة العالية القريبة من الله تعالى لابد وان تكون منزهة من الذنوب والعيوب والقصور والتقصير مهما كان ضعيفا أو قليلا.
فإن قلت: فان الروح العليا معصومة بلا شك، والكلام ليس في عصمتها، بل في الوجود الدنيوي للفرد المعصوم، والوجود الدنيوي ليس هو الروح العليا. فتكون روحه العليا معصومة، ووجوده الدنيوي ليس معصوما.
قلنا: مادام هذا الوجود الدنيوي يمثل تلك الروح، فيكون معصوما بعصمة روحه، لأنه يمثل الروح العليا.
فإن قلت: إن الوجود الدنيوي ليس دائما يمثل الروح العليا، فالروح العليا إنما يمثلها عند الوصول إليها، والشعور بها، وليس حين يكون محجوبا عنها، والوصول إليها لا يكون إلا بالجهاد والسلوك. ومعنى ذلك أن يكون حدوث العصمة متأخرا نتيجة لفعل الخير وجهاد النفس وهو خلاف ما عرفناه سابقا.
قلنا: نعم، إن الإنسان إنما تصل روحه إليه، أو يصل إلى روحه بالجهاد والسلوك الصعب، لكن هذا في العصمة الثانوية ، وأما في العصمة الأولية، فمن الممكن القول إن الروح مفتوحة من الأول للفرد، فلا يحتاج التعرف إليها إلى سلوك، فالعصمة موجودة منذ الولادة. وذلك بعدة تقريبات:
التقريب الأول: إن تلك الأرواح من العظمة والأهمية والتركيز بحيث لا تتخلف عن فتحها، والتعرف عليها منذ حلولها في الجسد وهو جنين، بخلاف سائر الأرواح التي تكون اضعف من هذا المستوى بقليل أو بكثير. فتلك الأرواح التي تكون أدنى، يكون السلوك إليها معقولا، وأما هذه الأرواح العظيمة والمركزة فتنفتح دون سلوك .
التقريب الثاني: إننا نفهم ذلك من الآية الكريمة نفسها، لأنها تعيد الضمير إلى الشخص نفسه مرتين فتقول: ِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ وكذلك: يُطَهِّرَكُمْ ، لا إنها تعيد الضمير إلى مرحلة من حياته، والضمير ينطبق عليه منذ ولادته إلى موته. فالآية من هذه الناحية لها إطلاق ، والتمسك بإطلاقها يقتضي ذلك، أي العصمة المستمرة.
التقريب الثالث: إن بعض المعصومين ع تولوا المسؤولية دون البلوغ كالجواد ع، والمهدي، ولا يحتمل أن يكون إماما متحملا لمسؤولية أهل البيت من دون عصمة، ولا يحتمل تأخير العصمة عن زمن الإمامة ولا يحتمل تأخيرها إلى زمن البلوغ. حينئذ نقول: (الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد) أي إن المعصومين الآخرين كانوا معصومين في زمن طفولتهم، فلا يحتمل اختصاصها في واحد دون واحد لان الآخرين مثله في المستوى، فضلا عن أهل الكساء الذين هم أفضل من الجميع.
التقريب الرابع: ما ورد في التاريخ من المميزات لهم حال طفولتهم، وهي مروية عن الجميع .
منها: إن شخصا من أصحاب الحسن العسكري يقول: قلت للإمام من هو الخلف من بعدك؟. فدخل الإمام ع إلى البيت واخرج طفلا على ذراعه، عرفت الحق فلا تطلب آثراوقال: (هذا هو الخلف) يقول فنطق الإمام المهدي قائلا: . لا تطلب اثر بعد عين
ومنها: ما ورد عن الإمام الجواد ، ( وذلك انه كان طفلا صغيرا وكان إلى جانبه مجموعة من الأطفال يلعبون، فمر عليهم المأمون ومعه جماعة، فهرب الأطفال إلا الإمام فقال له المأمون: لم لم تهرب مع الصبيان؟. فقال الإمام ع : ليس الطريق ضيقا فأوسعه لك، ولم اعمل شيئاً أخافك منه. فمضى المأمون إلى الصيد فأرسل له طيرا فحلق بعيدا ثم رجع وفي فمه سمكة صغيرة. فأخذها المأمون من فمه ثم رجع فكان الإمام ع إلى جانب الأطفال، فلما اقبل المأمون هرب الأطفال وبقي الإمام وكـانت السمكة في يد المأمون قابضا عليها، فأراد أن يختبر الإمام ع عما في يده. فقال له: ما الذي في يدي؟ فقال الإمام ع ما مضمونه القريب: إن لله سبحانه في عالم قدرته بحارا فيها اسماك تصادها بزاة الملوك لتختبر بها أولاد الأنبياء) .
ومنها: إن أمير المؤمنين كان يقول للعباس قل: واحد، فيقول: واحد. فيقول له قل اثنين، فيقول: العباس ع : لا أقول بلسان قلت به واحد اثنين .
فانه قد وصل إلى التوحيد الكامل من أول طفولته، فنقول: إن ما عند الأدنى عند الأعلى مع زيادة، أي إن المعصومين ع أولى منه بذلك.
ومنها: ما ورد عن الإمام الحسن انه كان يذهب إلى بيت جده ص فينزل الوحي على رسول الله ص، وكان الإمام ع طفلا فيسمعه ثم يذهب إلى أمه الزهراء ع فيروي ما سمعه لها، ودخل أمير المؤمنين ع في ذات يوم من إحدى الغزوات، فوجد الحسن ع يروي الوحي إلى أمه ع، فاحتضنه وقال: )ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ( وفي رواية أخرى انه اقبل ليؤدي ما سمعه من الوحي إلى أمه ع فوقف ساكتا، فقال له أبوه ع : لِم سكت؟. فقال بما مضمونه: كيف انطق وأنا بين يدي عظيم؟. فاحتضنه الإمام وقال (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)


بقي الكلام في أمرين:
الأول: في درجة العصمة.

الثاني: في العصمة من الخطأ والنسيان.
لان المشهور يستدل على العصمة من آية التطهير، فهل تدل آية التطهير على العصمة من الخطأ والنسيان. وهل يمكن تقريب أطروحة لذلك أم لا؟.
ينبغي أن نتذكر إننا قلنا في مناسبات سابقة إن المعصومين ع إنما هم معصومون عن الذنوب والعيوب العامة التي يتصف بها سائر الناس، ويكلفون بها حسب الشريعة الظاهرية. فهم معصومون منها لأنهم يرون وضوح القبح والصعوبة أمام الله سبحانه وتعالى، بحيث يتركونها بقناعتهم واختيارهم. ونحن لا نراها كذلك لتدنينا وبعدنا عن الواقعيات.
فإذا علمنا إن المتورعين والمتقين يرون الواجبات مهمة والمحرمات مهمة، وهو الهدف دينيا وإنسانيا، فكيف يكون عصيانها في نظر المعصومين ؟ فانه يكون أقبح واشد. فهي من الجميع قبيحة، ومنهم أقبح، فلابد أن يتصفوا بالعصمة منها. ونحن إذا سرنا مع هذه القاعدة فسوف ينتج من ذلك، إن المعصومين إنما هم معصومون من الذنوب العامة وليسوا معصومين مما فوقها. ومن هنا بدرجة من درجات تفكيري قلت: انه توجد هناك مراتب قد يحصل فيها عصيان ما، و سميتها: (الذنوب الدقية) لأنها ذنوب على مستواهم من التوقع والتفكير. فهم بالنسبة إلى التوقعات الخاصة برتبتهم ليسوا معصومين مطلقا.
وإذا مشينا بهذا الطريق فسوف نصل إلى نتيجتين تقربهما كثير من ظواهر القرآن الكريم والسنة:
أحدهما: نسبة الذنوب إلى الأنبياء في القرآن الكريم، كآدم ويعقوب ويونس، بل حتى خير الخلق محمد بن عبد الله . فهي ذنوب دقية وليست ذنوبا عامة.
فالمتوقع من يونس مثلا أن يصبر أكثر، لكنه صبر اقل من المطلوب، فابتلعه الحوت.
ثانيهما: اعترافات المعصومين بذنوبهم في الأدعية.
وهذا له عدة وجوه:
منها: التعليم للآخرين، فهم يستغفرون لكي نستغفر.
منها: إنهم فعلا يستغفرون من ذنوبهم الخاصة بهم، أما ما هي هذه الذنوب؟. فالله اعلم،
فإنهم يعتبرونها من أسرارهم الخاصة.
مضافا إلى فكرة أخرى: وذلك بان يقال: إن مستويات العلة تختلف، وكذلك مستويات الكمال تختلف. فكلما ارتفع الإنسان في درجة التكامل، ازداد في درجة توقع الإلتزام منه، أي بواجباته ومحرماته الخاصة به، وكلما كان كذلك كان معصوما من الدرجة التي هو فيها. فلو كان عيسى أفضل من موسى في العصمة، وأعلى درجة في التكامل،فقد تصدر أشياء من موسى تكون صحيحة، ولكنها إذا صدرت من عيسى تكون غير جيدة، ولا تناسب شانه.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: إن المؤمن الاعتيادي، يمكن أن نعتبره معصوما عن الذنوب الواضحة الضرورية، كالزنا وشرب الخمر وقتل المؤمن والسرقة. ولكنه غير معصوم من الذنوب التي تناسبه، كالكذب والغيبة واكل حق الإمام بغير وجه شرعي وهكذا.
ومنه قصة الشريفين المرتضى والرضي، حيث يقال: انه قدم لها أبوهما كتابا، وقال: اهديه لأحدكما ممن لم يعمل حراما طول عمره. فقال كل منهما: أني لم اعمل حراما. فقال: فاني أقدمه لمن لم يخطر في باله أن يفعل الحرام، فسكت أحدهما وقال الآخر: أني لم يخطر في بالي ذلك. فأعطاه له.






  
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو احمد الهليجي
المدير العام
المدير العام
avatar

الدولة : العراق
الأوسمه :


الجنس : ذكر
عدد المساهمات : 498
الموقع الموقع : أنوار الصدر الثالث
العمل/الترفيه العمل/الترفيه : المدير العام

مُساهمةموضوع: رد: تفسير اية التطهير ( السيد الشهيد الصدر (فدس سره))   2011-06-23, 9:02 pm

جزاك الله خيرا وجعله في ميزان حسناتك

ـــــــــــــ التوقيــــــــع ــــــــــــــ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://alsry.forumarabia.com
 
تفسير اية التطهير ( السيد الشهيد الصدر (فدس سره))
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
انوار الصدر الثالث :: كتب وإصدارات آل الصدر :: كتب وإصدارات آل الصدر-
انتقل الى: